محمد الفيومي محمد الفيومي
النجاح الصعب لصديقي التعزي

تُعرف تعز بأنها عاصمة الثقافة في اليمن، ولها تاريخ طويل في هذا المجال منذ القدم، ففيها واحدة من أقدم محطات العلم التي كان يقصدها عدد كبير من الناس ممثلة بالأشرفية المسجد الذي يعد معلما تاريخيا بارزا حتى اليوم واستقبل آلاف الطلاب.

 

أصبحت أعرف الكثير عن هذه المدينة لأحاديثي الكثيرة عنها مع صديقي التعزي الدكتور مختار المليك، والذي أخبرني أن الناس في هذه المدينة -البسيطة العميقة التي يسكنها أكثر من ثلاثة مليون مواطن- يتسابقون على النجاح، وبقي هذا ديدنهم حتى اليوم برغم الحصار الجزئي الذي لا زال مفروضا عليها، فصنعوا شيئا حتى من المستحيل.

 

لقد أصبحت مع صديقي التعزي أجيد نطق الكثير من كلماتهم برغم صعوبتها وأعلم معناها، مثل زيادة بعض الأحرف على الكلمات كـ"شسافر" إضافة إلى "ولِّي، انديلي"، وصديقي هو أيضا أصبح يعلم معاني كثير من الكلمات العامية للشعب المصري التي تعلمها أثناء زياراته المتكررة لمصر "أم الدنيا".

 

لقد صنع صديقي استشاري جراحة العظام والحوض والمفاصل الصناعية الدكتور مختار المُليك نجاحا أصفه بـ"الصعب"، نتيجة للظروف الصعبة التي تعيشها تعز، وهو الأمر الذي دفعني لكتابة هذا المقال برغم توقفي عن الكتابة منذ سنوات طويلة بسبب انشغالي بعملي.

 

أثناء جلوسي معه مؤخرا واستماعي لرحلته الشاقة التي عاد منها إلى اليمن مُحملا بنجاح أفخر أن أتحدث عنه في هذه السطور القليلة، فقبل أسابيع انتظرت وصول صديقي الدكتور المُليك وكلي أمل بأن يحقق ما يصبو إليه، وانتظرنا معا نتيجة اختباره التي كانت إيجابية، فقد كان الطبيب الوحيد الذي يقطن  تعز و أحرز هذا النجاح خلال العام 2019 بحصوله على البورد العربي في تخصص العظام والمفاصل.

 

ربما الأمر ليس بكبير فهناك العديد من الأطباء الذين حصلوا على البورد العربي، لكن صناعة النجاح وتحقيقه في هذا الظرف الاستثنائي الذي تعيشه تعز التي شاهدنا عبر شاشات التلفاز الكثير من المآسي فيها، يختلف كثيرا ويستحق أن نكتب عنه الكثير والكثير.

 

فلا يعلم أحد معنى أن تنجح وأنت تعيش في ظل القلق وعدم الاستقرار الذي خلفته الحرب، أو الخوف من أن تباغتك قذيفة أو رصاصة، أو التوتر والعمل حتى ساعات متأخرة وفي كل وقت نتيجة الإصابات المتعددة التي يعاني منها المواطنين سواء بسبب القصف أو المعارك بالجبهات، وهذا ما عاشه صديقي الكريم.

 

لصديقي المُليك الذي أشعر أني لن أوفي حقه بهذه الأسطر القليلة قصص كثيرة مع هذه المدينة، التي كان يرفض مغادرتها حتى حين تركها الكثير من الأطباء خاصة مع بداية الحرب بسبب الظروف الأمنية وتعرض تعز للقصف، فاستمر بعمله حتى من مستشفيات كانت تتعرض للقصف ورأينا صورها عبر شاشات التلفزيون، وزاده ذلك إصرارا على البقاء وعدم خذلان أبناء المحافظة التي تربى فيها، فتفاني في عمله وجنَّب الكثير من الجرحى السفر للخارج منها مصر التي يوجد بها عشرات المرضى اليمنيين.

 

بالعودة إلى النجاح الذي أحرزه صديقي فإني بعد استماعي لما عاناه خلال رحلة سفرة بسبب نقاط التفتيش الكثيرة وساعات السفر الطويلة التي وصل بعضها إلى 17 ساعة بسبب صعوبات السفر في بلاد تعاني من الحرب، أُصر على وصف نجاحه بـ"الصعب" لما لاقاه وزملائه سواء داخل اليمن أو خارجها.

 

فخارج البلاد يجد الطبيب نفسه أمام لجان كثيرة بها أطباء من مختلف الدول العربي ما عدا اليمن، برغم أن المتقدمين للاختبار كانوا أكثر من أربعين طبيبا يمنيا، فيجد الطبيب نفسه في وضع صعب فلا أحد يتحدث عن ظروف بلده التي قدم منها، ولا صعوبات السفر وعدم حصول الطبيب على تدريب داخل البلاد كما يحدث في باقي الدول.

 

يحق لك يا صديقي "الجدع" أن تفخر بنفسك، فقد حققت حلمك الذي انتظرته وسرق منك الكثير من اللحظات الجميلة التي كنت لا تعيشها بسبب انشغالك بالإعداد للبورد العربي، وأنا على ثقة أن هذا النجاح الذي أحرزته لن يكون إلا محطة وتنتظر الانطلاق لمحطات أخرى فمثلك لا يعرف إلا الطموح والنجاح والتفاني في العمل، ومثلما حققت الكثير من النجاحات في تعز خلال السنوات الماضية ولأجل تعز المدينة التي تعشقها، سيكون ذلك الحب هو أبرز الأسباب لاستمرار القراءة والبحث لتقديم ما تستطيع لأحبتك وأهلك في الحالمة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص